فصل: طاعة العلماء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


ضَمَان الدَّرَك

التّعريف

1 - الدّرك‏:‏ بفتحتين، وسكون الرّاء لغةً، اسم من أدركت الرّجل أي لحقته، وقد جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أنّه كان يتعوّذ من جهد البلاء ودرك الشّقاء « أي من لحاق الشّقاء‏.‏

قال الجوهريّ‏:‏ الدّرك التّبعة، قال أبو سعيد المتولّي‏:‏ سمّي ضمان الدّرك لالتزامه الغرامة عند إدراك المستحقّ عين ماله ويستعمل الفقهاء كذلك هذا اللّفظ بمعنى التّبعة أي المطالبة والمؤاخذة‏.‏

فقد عرّف الحنفيّة ضمان الدّرك‏:‏ بأنّه التزام تسليم الثّمن عند استحقاق المبيع‏.‏

وعرّفه الشّافعيّة بأنّه‏:‏ هو أن يضمن شخص لأحد العاقدين ما بذله للآخر إن خرج مقابله مستحقّاً أو معيباً أو ناقصاً لنقص الصّنجة، سواء أكان الثّمن معيّناً أم في الذّمّة‏.‏

ولا يخرج تعريف الفقهاء الآخرين لضمان الدّرك عمّا قاله الحنفيّة والشّافعيّة في تعريفه‏.‏ ويعبّر عنه الحنابلة بضمان العهدة، كما يعبّر عنه الحنفيّة في الغالب بالكفالة بالدّرك‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العهدة‏:‏

2 - العهدة‏:‏ هي ضمان الثّمن للمشتري إن استحقّ المبيع أو وجد فيه عيب‏.‏

والعهدة أعمّ من الدّرك، لأنّ العهدة قد تطلق على الصّكّ القديم، وقد تطلق على العقد وعلى حقوقه، وعلى الدّرك وعلى الخيار، بخلاف الدّرك فإنّه يستعمل في ضمان الاستحقاق عرفاً‏.‏

الحكم الإجمالي

3 - ضمان الدّرك جائز عند جمهور الفقهاء، ومنع بعض الشّافعيّة ضمان الدّرك لكونه ضمان ما لم يجب‏.‏

ألفاظ ضمان الدّرك

4 - من ألفاظ هذا الضّمان عند جمهور الفقهاء أن يقول الضّامن‏:‏ ضمنت عهدته أو ثمنه أو دركه، أو يقول للمشتري‏:‏ ضمنت خلاصك منه‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ إنّ العهدة صارت في العرف عبارةً عن الدّرك وضمان الثّمن، والكلام المطلق يحمل على الأسماء العرفيّة دون اللّغويّة‏.‏

ويرى الحنفيّة أنّ ضمان العهدة باطل لاشتباه المراد بها، لإطلاقها على الصّكّ وعلى العقد، وعلى حقوقه وعلى الدّرك، فبطل للجهالة، بخلاف ضمان الدّرك، قال ابن نجيم‏:‏ ولا يقال ينبغي أن يصرف إلى ما يجوز الضّمان به وهو الدّرك تصحيحاً لتصرّف الضّامن لأنّا نقول‏:‏ فراغ الذّمّة أصل فلا يثبت الشّغل بالشّكّ والاحتمال‏.‏

كما أنّ ضمان الخلاص باطل عند أبي حنيفة، لأنّه يفسّره بتخليص المبيع لا محالة ولا قدرة للضّامن عليه، لأنّ المستحقّ لا يمكّنه منه، ولو ضمن تخليص المبيع أو ردّ الثّمن جاز، لإمكان الوفاء به وهو تسليمه إن أجاز المستحقّ، أو ردّه إن لم يجز، فالخلاف راجع إلى التّفسير‏.‏

ويرى الجمهور ومنهم أبو يوسف ومحمّد أنّ ضمان الخلاص بمنزلة ضمان الدّرك، وفسّروا ضمان الخلاص بتخليص المبيع إن قدر عليه وردّ الثّمن إن لم يقدر عليه وهو ضمان الدّرك في المعنى، فالخلاف لفظيّ فقط‏.‏

أمّا ضمان خلاص المبيع بمعنى أن يشترط المشتري أنّ المبيع إن استحقّ من يده يخلّصه ويسلّمه بأيّ طريق يقدر عليه فهذا باطل، لأنّه شرط لا يقدر على الوفاء به إذ المستحقّ ربّما لا يساعده عليه‏.‏

متعلّق ضمان الدّرك

5 - يقول الشّافعيّة‏:‏ إنّ متعلّق ضمان الدّرك هو عين الثّمن أو المبيع إن بقي وسهل ردّه، وبدله أي قيمته إن عسر ردّه، ومثل المثليّ وقيمة المتقوّم إن تلف، وتعلّقه بالبدل أظهر‏.‏ ويرى الحنابلة أنّ متعلّق ضمان الدّرك - ضمان العهدة - هو الثّمن أو جزء منه، سواء كان الضّمان عن البائع للمشتري أو عن المشتري للبائع، حيث يقولون‏:‏ ويصحّ ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع، فضمانه عن المشتري‏:‏ هو أن يضمن الثّمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وإن ظهر فيه عيب أو استحقّ رجع بذلك على الضّامن، وضمانه عن البائع للمشتري‏:‏ هو أن يضمن عن البائع الثّمن متى خرج المبيع مستحقّاً أو ردّ بعيب أو أرش العيب، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثّمن أو جزء منه‏.‏

ويؤخذ من عبارات فقهاء الحنفيّة والمالكيّة أنّ متعلّق ضمان الدّرك عندهم هو الثّمن أيضاً، إلاّ أنّه يختلف مذهب الحنابلة عن مذهب الحنفيّة والمالكيّة في أنّ الحنابلة يعتبرون ضمان الثّمن الواجب تسليمه عن المشتري للبائع من قبيل ضمان الدّرك - ضمان العهدة - في حين يختصّ ضمان الدّرك عند الحنفيّة والمالكيّة بالكفالة بأداء ثمن المبيع إلى المشتري وتسليمه إليه إن استحقّ المبيع وضبط من يده، أمّا ضمان الثّمن الواجب تسليمه عن المشتري للبائع فهو يتحقّق ضمن الكفالة بالمال بشروطها‏.‏

شروط صحّة ضمان الدّرك

6 - من شروط صحّة ضمان الدّرك أن يكون المضمون ديناً صحيحاً، والدّين الصّحيح‏:‏ هو ما لا يسقط إلاّ بالأداء أو الإبراء، فلا يصحّ بغيره كبدل الكتابة فإنّه يسقط بالتّعجيز‏.‏ ويشترط الشّافعيّة لصحّة ضمان الدّرك قبض الثّمن، فلا يصحّ ضمان الدّرك عندهم قبل قبض الثّمن، لأنّ الضّامن إنّما يضمن ما دخل في يد البائع، ولا يدخل الثّمن في ضمانه إلاّ بقبضه‏.‏

حكم ضمان الدّرك في حالتي الإطلاق والتّقييد

7 - إذا أطلق ضمان الدّرك أو العهدة اختصّ بما إذا خرج الثّمن المعيّن مستحقّاً إذ هو المتبادر، لا ما خرج فاسداً بغير الاستحقاق، فلو انفسخ البيع بما سوى الاستحقاق مثل الرّدّ بالعيب أو بخيار الشّرط أو بخيار الرّؤية لا يؤاخذ به الضّامن، لأنّ ذلك ليس من الدّرك‏.‏

أمّا إذا قيّده بغير استحقاق المبيع كخوف المشتري فساد البيع بدعوى البائع صغراً أو إكراهاً، أو خاف أحدهما كون العوض معيباً، أو شكّ المشتري في كمال الصّنجة الّتي تسلّم بها المبيع، أو شكّ البائع في جودة جنس الثّمن فضمن الضّامن ذلك صريحاً صحّ ضمانه كضمان العهدة‏.‏

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكفيل بالدّرك يضمن المكفول به فقط، ولا يضمن مع المكفول به ضرر التّغرير لأنّه ليس للكفيل كفالة بذلك‏.‏

ما يترتّب على ضمان الدّرك

أ - حقّ المشتري في الرّجوع بالثّمن‏:‏

8 - يترتّب على ضمان الدّرك حقّ المشتري في الرّجوع بالثّمن عند استحقاق المبيع، ويحقّ له مطالبة الضّامن والأصيل به‏.‏

إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا في وقت مطالبة الضّامن بالثّمن‏:‏

ذهب الجمهور ومنهم أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ مجرّد القضاء بالاستحقاق يكفي لمؤاخذة ضامن الدّرك والرّجوع بالثّمن عليه‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يؤاخذ ضامن الدّرك إن استحقّ المبيع ما لم يقض بالثّمن على البائع، لأنّ البيع لا ينتقض بمجرّد الاستحقاق، ولهذا لو أجاز المستحقّ البيع قبل الفسخ جاز ولو بعد قبضه وهو الصّحيح، فما لم يقض بالثّمن على البائع لا يجب ردّ الثّمن على الأصيل فلا يجب على الكفيل‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّ الضّامن يغرم الثّمن حين الدّرك في غيبة البائع وعدمه‏.‏

ب - منع دعوى التّملّك والشّفعة‏:‏

9 - ضمان الدّرك للمشتري عند البيع تسليم من الضّامن بأنّ المبيع ملك البائع فيكون مانعاً لدعوى التّملّك والشّفعة بعد ذلك، لأنّ هذا الضّمان لو كان مشروطاً في البيع فتمامه بقبول الضّامن فكأنّه هو الموجب له ثمّ بالدّعوى يسعى في نقض ما تمّ من جهته، وإن لم يكن مشروطاً فالمراد به إحكام البيع وترغيب المشتري في الابتياع، إذ لا يرغب فيه دون الضّمان فنزل التّرغيب منزلة الإقرار بملك البائع، فلا تصحّ دعوى الضّامن الملكيّة لنفسه بعد ذلك للتّناقض‏.‏

وذهب الحنابلة والشّافعيّة إلى أنّه إن ضمن الشّفيع العهدة للمشتري لم تسقط شفعته، لأنّ هذا سبب سبق وجوب الشّفعة فلم تسقط به الشّفعة كالإذن في البيع والعفو عن الشّفعة قبل تمام البيع‏.‏

الرّهن بالدّرك

10 - الرّهن بالدّرك هو‏:‏ أن يبيع شيئاً ويسلّمه إلى المشتري فيخاف المشتري أن يستحقّه أحد، فيأخذ من البائع رهناً بالثّمن لو استحقّه أحد، والرّهن بالدّرك باطل، حتّى إنّ المرتهن لا يملك حبس الرّهن إن قبضه قبل الوجوب استحقّ المبيع أو لا، لأنّ الرّهن جعل مشروعاً لأجل الاستيفاء ولا استيفاء قبل الوجوب‏.‏

ونقل ابن قدامة الإجماع على عدم جوازه، لأنّه يؤدّي إلى أن يبقى الرّهن مرهوناً أبداً‏.‏

ضِيافة

التّعريف

1 - الضّيافة في اللّغة‏:‏ مصدر ضاف، يقال‏:‏ ضاف الرّجل يضيفه ضيفاً، وضيافةً‏:‏ مال إليه ونزل به ضيفاً وضيافةً، وأضافه إليه أنزله عليه ضيفاً، وضيافةً‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ هي اسم لإكرام الضّيف - وهو النّازل بغيره لطلب الإكرام - والإحسان إليه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - القراء‏:‏

2 - القراء من قرى الضّيف قراءً وقرىً‏:‏ أضافه إليه وأطعمه‏.‏

ب - الخفر‏:‏

3 - يقال‏:‏ خفر بالعهد يخفر إذا وفّى به، وخفرت الرّجل حميته وأجرته من طالبه، وخفر بالرّجل إذا غدر به‏.‏

ج - الإجارة‏:‏

4 - الإجارة من أجار الرّجل إجارةً‏:‏ إذا أمّنه وخفر به، وعليه‏.‏

الحكم التّكليفيّ

5 - تعتبر الضّيافة من مكارم الأخلاق، وسنّة الخليل عليه الصلاة والسلام والأنبياء بعده، وقد رغّب فيها الإسلام، وعدّها من أمارات صدق الإيمان‏.‏

فقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ » من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه «، وعنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا خير فيمن لا يضيف «، وقال عليه السلام‏:‏ » الضّيافة ثلاثة أيّام وجائزته يوم وليلة، ولا يحلّ لمسلم أن يقيم عند أخيه حتّى يؤثّمه، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه وكيف يؤثّمه‏؟‏ قال‏:‏ يقيم عنده لا شيء له يقريه به «‏.‏

وهي حقّ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، وقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ الضّيافة سنّة، ومدّتها ثلاثة أيّام، وهو رواية عن أحمد‏.‏

والرّواية الأخرى عن أحمد - وهي المذهب - أنّها واجبة، ومدّتها يوم ليلة، والكمال ثلاثة أيّام‏.‏ وبهذا يقول اللّيث بن سعد‏.‏

ويرى المالكيّة وجوب الضّيافة في حالة المجتاز الّذي ليس عنده ما يبلّغه ويخاف الهلاك‏.‏ والضّيافة على أهل القرى والحضر، إلاّ ما جاء عن الإمام مالك والإمام أحمد في رواية أنّه ليس على أهل الحضر ضيافة، وقال سحنون‏:‏ الضّيافة على أهل القرى، وأمّا أهل الحضر فإنّ المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً - وهو الفندق - فيتأكّد النّدب إليها ولا يتعيّن على أهل الحضر تعيّنها على أهل القرى لمعان‏:‏

أحدها‏:‏ أنّ ذلك يتكرّر على أهل الحضر، فلو التزم أهل الحضر الضّيافة لما خلوا منها، وأهل القرى يندر ذلك عندهم فلا تلحقهم مشقّة‏.‏

ثانيها‏:‏ أنّ المسافر يجد في الحضر المسكن والطّعام، فلا تلحقه المشقّة لعدم الضّيافة، وحكم القرى الكبار الّتي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشّراء ويكثر ترداد النّاس عليها حكم الحضر، وهذا فيمن لا يعرفه الإنسان، وأمّا من يعرفه معرفة مودّة أو بينه وبينه قرابة أو صلة ومكارمة، فحكمه في الحضر وغيره سواء‏.‏

آداب الضّيافة

آداب المضيف

6 - يستحبّ للمضيف إيناس الضّيف بالحديث الطّيّب والقصص الّتي تليق بالحال، لأنّ من تمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الخروج والدّخول ليحصل له الانبساط، ولا يتكلّف ما لا يطيق لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » أنا وأتقياء أمّتي برآء من التّكلّف «‏.‏

وأن يقول للضّيف أحياناً‏:‏ ‏"‏ كل ‏"‏ من غير إلحاح، وألاّ يكثر السّكوت عند الضّيف، وأن لا يغيب عنه، ولا ينهر خادمه بحضرته، وأن يخدمه بنفسه، وألاّ يجلسه مع من يتأذّى بجلوسه أو لا يليق له الجلوس معه، وأن يأذن له بالخروج إذا استأذنه وأن يخرج معه إلى باب الدّار تتميماً لإكرامه وأن يأخذ بركاب ضيفه إذا أراد الرّكوب‏.‏

آداب الضّيف

7 - من آداب الضّيف أن يجلس حيث يُجلس، وأن يرضى بما يقدّم إليه، وألاّ يقوم إلاّ بإذن المضيف، وأن يدعو للمضيف بدعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأن يقول‏:‏ » أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة «‏.‏

مقام الضّيف عند المضيف

8 - من نزل ضيفاً فلا يزيد مقامه عند المضيف على ثلاثة أيّام، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الضّيافة ثلاثة أيّام، فما زاد فصدقة « لئلاّ يتبرّم به ويضطرّ لإخراجه، إلاّ إن ألحّ عليه ربّ المنزل بالمقام عنده عن خلوص قلب فله المقام‏.‏

أكل طعام الضّيافة

9 - يأكل المضيف ممّا قدّم له بلا لفظ اكتفاءً بالقرينة، إلاّ إذا كان المضيف ينتظر غيره من الضّيوف، فلا يجوز حينئذ الأكل إلاّ بإذن المضيف، ولا يأكل من الطّعام إلاّ بالمقدار الّذي يقتضيه العرف، ما لم يعلم رضا المضيف، ولا يتصرّف به إلاّ بأكل، لأنّه المأذون له فيه، فلا يطعم سائلاً، ولا هرّةً، وله أخذ ما يعلم رضاه، لأنّ المدار على طيب نفس المالك، فإذا دلّت القرينة على ذلك حلّ‏.‏

وتختلف قرائن الرّضى في ذلك باختلاف الأموال، ومقاديرها‏.‏

وصرّح الشّافعيّة‏:‏ أنّ الضّيف لا يضمن ما قدّم له من طعام إن تلف بلا تعدّ منه، كما لا يضمن إناءه وحصيراً يجلس عليه ونحوه، سواء قبل الأكل، أو بعده، ولا يلزمه دفع هرّة عنه، ويضمن إناءً حمله بغير إذن‏.‏

اشتراط الضّيافة في عقد الجزية

10 - يجوز بل يستحبّ عند الشّافعيّة‏:‏ أن يشترط الإمام على أهل الذّمّة ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين زائداً على أقلّ الجزية إذا صولحوا في بلدهم، ويجعل الضّيافة على الغنيّ والمتوسّط، لا الفقير، ويذكر وجوباً في العقد‏:‏ عدد الضّيفان، وعدد أيّام الضّيافة، وقدر الإقامة فيهم، وجنس الطّعام، والأدم، وقدرهما، وعلف الدّوابّ إن كانوا فرساناً، ومنزل الضّيوف من كنيسه، وفاضل مسكن، ولا يزيد مقامهم على ثلاثة أيّام‏.‏

والأصل في ذلك‏:‏ » أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار، وعلى ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين «‏.‏

فإن لم يشترطها عليهم لم تجب عليهم، لأنّه أداء مال، فلم يجب بغير رضاهم‏.‏

طاعة

التّعريف

1 - الطّاعة في اللّغة‏:‏ الانقياد والموافقة، يقال‏:‏ أطاعه إطاعةً أي‏:‏ انقاد له، والاسم طاعة، وأنا طوع يدك‏:‏ أي منقاد لك‏.‏

قال الفيّوميّ‏:‏ قالوا‏:‏ ولا تكون الطّاعة إلاّ عن أمر، كما أنّ الجواب لا يكون إلاّ عن قول، يقال‏:‏ أمره فأطاع‏.‏

وطوّعت له نفسه‏:‏ رخّصت وسهّلت‏.‏

واتّفقت تعاريف الفقهاء للطّاعة من حيث المعنى، وإن اختلفت من حيث اللّفظ‏.‏

فعرّف الجرجانيّ والكفويّ وصاحب دستور العلماء الطّاعة بأنّها‏:‏ موافقة الأمر طوعاً‏.‏

قال الكفويّ‏:‏ هي فعل المأمورات ولو ندباً، وترك المنهيّات ولو كراهةً‏.‏

وقال الشّرقاويّ‏:‏ الطّاعة امتثال الأمر والنّهي‏.‏

وقال ابن حجر‏:‏ الطّاعة هي الإتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهيّ عنه، والعصيان بخلافه‏.‏

ونقل ابن عابدين تعريف شيخ الإسلام زكريّا للطّاعة، وهو‏:‏ فعل ما يثاب عليه، توقّف على نيّة أو لا عرف من يفعله لأجله أو لا‏.‏ قال‏:‏ وقواعد مذهبنا لا تأباه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العبادة‏:‏

2 - العبادة في اللّغة‏:‏ الانقياد والخضوع والطّاعة‏.‏

قال الزّجّاج في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏‏:‏ أي نطيع الطّاعة الّتي يخضع معها، ومعنى العبادة في اللّغة‏:‏ الطّاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبّد إذا كان مذلّلاً‏.‏

قال ابن الأنباريّ‏:‏ فلان عابد وهو الخاضع لربّه المستسلم المنقاد لأمره‏.‏

وقوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ‏}‏ أي‏:‏ أطيعوا ربّكم‏.‏

وتعبّد الرّجل‏:‏ تنسّك‏.‏

والعبادة اصطلاحاً، قال صاحب التّعريفات‏:‏ هي فعل المكلّف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربّه‏.‏

وقال ابن عابدين نقلاً عن شيخ الإسلام زكريّا‏:‏ العبادة ما يثاب على فعله ويتوقّف على نيّة‏.‏ فالطّاعة أعمّ من العبادة‏.‏

ب - القربة‏:‏

3 - عرّف صاحب الكلّيّات القربة بأنّها‏:‏ ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى بواسطة غالباً قال‏:‏ وقد تطلق ويراد بها‏:‏ ما يتقرّب به بالذّات‏.‏

قال ابن عابدين نقلاً عن شيخ الإسلام زكريّا في التّفريق بين القربة والعبادة والطّاعة‏:‏ القربة‏:‏ فعل ما يثاب عليه بعد معرفة من يتقرّب إليه به، وإن لم يتوقّف على نيّة، والعبادة‏:‏ ما يثاب على فعله ويتوقّف على نيّة، والطّاعة‏:‏ فعل ما يثاب عليه توقّف على نيّة أو لا، عرف من يفعله لأجله أو لا، فنحو الصّلوات الخمس، والصّوم والزّكاة والحجّ، من كلّ ما يتوقّف على النّيّة قربة وطاعة وعبادة وقراءة القرآن، والوقف والعتق، والصّدقة ونحوها ممّا لا يتوقّف على نيّة، قربة وطاعة لا عبادة‏.‏

والنّظر المؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى طاعة لا قربة ولا عبادة‏.‏

فالطّاعة أعمّ من القربة والعبادة، والقربة أعمّ من العبادة‏.‏

ج - المعصية‏:‏

4 - المعصية في اللّغة‏:‏ خلاف الطّاعة، يقال عصى العبد ربّه‏:‏ إذا خالف أمره، وعصى فلان أميره يعصيه عصيّاً وعصياناً ومعصيةً‏:‏ إذا لم يطعه‏.‏

والمعصية اصطلاحاً‏:‏ هي مخالفة الأمر قصداً فالمعصية ضدّ الطّاعة‏.‏

الأحكام المتعلّقة بالطّاعة

أ - طاعة اللّه عزّ وجلّ‏:‏

5 - طاعة اللّه عزّ جلّ فرض على كلّ مكلّف‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ‏}‏‏.‏

ومن حقّ الباري - جلّ ثناؤه - على من أبدعه أن يكون أمره عليه نافذاً، وطاعته له لازمةً‏.‏

قال الطّبريّ في تأويل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏‏:‏ يعني وما أمر هؤلاء اليهود والنّصارى - الّذين اتّخذوا الأحبار والرّهبان والمسيح أرباباً - إلاّ أن يعبدوا معبوداً واحداً، وأن لا يطيعوا إلاّ ربّاً واحداً، دون أرباب شتّى، وهو اللّه الّذي له عبادة كلّ شيء وطاعة كلّ خلق، المستحقّ على جميع خلقه الدّينونة له بالوحدانيّة والرّبوبيّة لا إله إلاّ هو‏:‏ ولا تنبغي الألوهيّة إلاّ لواحد، وهو الّذي أمر الخلق بعبادته ولزمت جميع العباد طاعته سبحانه عمّا يشركون‏.‏

وقد بيّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كيفيّة اتّخاذ اليهود والنّصارى الأحبار والرّهبان أرباباً من دون اللّه، وذلك فيما روي عن عديّ بن حاتم‏:‏ » أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقرأ في سورة براءة‏:‏ ‏{‏اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ‏}‏ قال‏:‏ أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلّوا لهم شيئًا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئًا حرّموه «‏.‏

قال ابن عبّاس‏:‏ لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية اللّه فأطاعوهم، فسمّاهم اللّه بذلك أرباباً، وقال الحسن‏:‏ اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً في الطّاعة‏.‏

ب - طاعة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏

6 - إذا وجب الإيمان برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته لأنّ ذلك ممّا أتى به، وقد تضافرت الأدلّة وتواترت على وجوب طاعة الرّسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا‏}‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ‏}‏ فجعل اللّه تعالى طاعة رسوله طاعته، وقرن طاعته بطاعته‏.‏

قال القاضي عياض‏:‏ قال المفسّرون والأئمّة‏:‏ طاعة الرّسول التزام سنّته والتّسليم لما جاء به، وما أرسل اللّه من رسول إلاّ فرض طاعته على من أرسله إليهم، وقد حكى اللّه عن الكفّار في دركات جهنّم‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا‏}‏ فتمنّوا طاعته حيث لا ينفعهم التّمنّي‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه سمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ » من أطاعني فقد أطاع اللّه، ومن عصاني فقد عصى اللّه «‏.‏

وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم «‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ » إنّما مثلي ومثل ما بعثني اللّه به، كمثل رجل أتى قوماً فقال‏:‏ يا قوم، إنّي رأيت الجيش بعيني، وإنّي أنا النّذير العريان فالنّجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذّبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحقّ «‏.‏

قال الجصّاص‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً‏}‏ دلالة على أنّ من ردّ شيئاً من أوامر اللّه تعالى أو أوامر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، سواء ردّه من جهة الشّكّ فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التّسليم، وذلك يوجب صحّة ما ذهب إليه الصّحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزّكاة، وقتلهم وسبي ذراريّهم، لأنّ اللّه تعالى حكم بأنّ من لم يسلّم للنّبيّ صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان‏.‏

ج - طاعة أولي الأمر‏:‏

7 - أجمع العلماء على وجوب طاعة أولي الأمر من الأمراء والحكّام، وقد نقل النّوويّ عن القاضي عياض وغيره هذا الإجماع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ‏}‏‏.‏

وقد ذهب جمهور الفقهاء والمفسّرين إلى أنّ المقصود بأولي الأمر في الآية‏:‏ الأمراء وأهل السّلطة والحكم، وهناك قول بأنّ المقصود بأولي الأمر في الآية هم العلماء، قال الطّبريّ‏:‏ وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال‏:‏ هم الأمراء والولاة، لصحّة الأخبار عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمّة والولاة فيما كان طاعةً للّه وللمسلمين مصلحةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببرّه والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ، وصلّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم «‏.‏

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة «‏.‏

وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتةً جاهليّةً «‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » عليك السّمع والطّاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك «‏.‏

قال النّوويّ قال العلماء‏:‏ معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشقّ وتكرهه النّفوس وغيره ممّا ليس بمعصية‏.‏

وهذه الأحاديث في الحثّ على السّمع والطّاعة في جميع الأحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإنّ الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم، قال الماورديّ‏:‏ إذا قام الإمام بحقوق الأمّة فقد أدّى حقّ اللّه تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب عليهم حقّان‏:‏ الطّاعة والنّصرة ما لم يتغيّر حاله‏.‏

طاعة العلماء

8 - طاعة العلماء واجبة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ‏}‏ حيث ذهب جابر بن عبد اللّه، وابن عبّاس رضي الله عنهم - في رواية - ومجاهد وعطاء والحسن البصريّ وأبو العالية إلى أنّ المقصود بأولي الأمر في الآية هم العلماء والفقهاء، وهو قول لأحمد، واختاره الإمام مالك، وبه قال ابن القيّم‏.‏

قال مطرّف وابن مسلمة‏:‏ سمعنا مالكاً يقول‏:‏ هم العلماء‏.‏

وقال ابن القيّم‏:‏ طاعة الفقهاء أفرض على النّاس من طاعة الأمّهات والآباء بنصّ الكتاب‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً‏}‏‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ أمر اللّه تعالى بردّ المتنازع فيه إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم وليس لغير العلماء معرفة كيفيّة الرّدّ إلى الكتاب والسّنّة، ويدلّ هذا على صحّة كون سؤال العلماء واجباً، وامتثال فتواهم لازماً‏.‏

وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ المقصود بأولي الأمر هم الأمراء والعلماء جميعاً، وبه أخذ الجصّاص وابن العربيّ وابن كثير وابن تيميّة‏.‏

قال الجصّاص‏:‏ وليس يمتنع أن يكون ذلك أمراً بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السّرايا والعلماء، وقال ابن العربيّ‏:‏ والصّحيح عندي أنّهم الأمراء والعلماء جميعاً، أمّا الأمراء فلأنّ أصل الأمر منهم والحكم إليهم، وأمّا العلماء فلأنّ سؤالهم واجب متعيّن على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب، قال ابن كثير‏:‏ والظّاهر - واللّه أعلم - أنّها عامّة في كلّ أولي الأمر من الأمراء والعلماء‏.‏

وقال النّوويّ‏:‏ قال العلماء‏:‏ المراد بأولي الأمر من أوجب اللّه طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السّلف والخلف من المفسّرين والفقهاء وغيرهم، وقيل‏:‏ هم العلماء، وقيل‏:‏ العلماء والأمراء‏.‏

هـ – طاعة الوالدين‏:‏

9 – طاعة الوالدين والإحسان إليهما فرض على الولد، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً‏}‏‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ أمر اللّه سبحانه بعبادته وتوحيده وجعل برّ الوالدين مقروناً بذلك كما قرن شكرهما بشكره فقال‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏{‏أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ‏}‏‏.‏

وقال الجصّاص‏:‏ وقضى ربّك معناه‏:‏ أمر ربّك، وأمر بالوالدين إحساناً، وقيل معناه‏:‏ وأوصى بالوالدين إحساناً، والمعنى واحد، لأنّ الوصيّة أمر، وقد أوصى اللّه تعالى ببرّ الوالدين والإحسان إليهما في غير موضع من كتابه وقال‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً‏}‏‏.‏

قال ابن العربيّ‏:‏ لا يجوز أن يكون معنى قضى هاهنا إلاّ أمر‏.‏

وعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى يا رسول اللّه، قال‏:‏ الإشراك باللّه وعقوق الوالدين «‏.‏ وقال هشام بن عروة عن أبيه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ‏}‏‏:‏ لا تمنعهما شيئاً يريدانه‏.‏

وحقّ الطّاعة للوالدين ليس مقصوراً على الوالدين المسلمين، بل هو مكفول - أيضاً - للوالدين المشركين، قال الجصّاص في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً‏}‏ أمر بمصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع النّهي عن طاعتهما في الشّرك، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏.‏

وقال ابن حجر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا‏}‏ اقتضت الآية الوصيّة بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين، إلاّ إذا أمرا بالشّرك فتجب معصيتهما في ذلك‏.‏

و - طاعة الزّوج‏:‏

10 - طاعة الزّوج واجبة على الزّوجة‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ‏}‏‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ قيام الرّجال على النّساء هو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها، وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز - أي الخروج -، وأنّ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصيةً‏.‏ وعن أنس‏:‏ » أنّ رجلاً انطلق غازياً وأوصى امرأته‏:‏ أن لا تنزل من فوق البيت، وكان والدها في أسفل البيت، فاشتكى أبوها، فأرسلت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تخبره وتستأمره فأرسل إليها‏:‏ اتّقي اللّه وأطيعي زوجك ثمّ إنّ والدها توفّي فأرسلت إليه صلى الله عليه وسلم تستأمره، فأرسل إليها مثل ذلك، وخرج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأرسل إليها‏:‏ إنّ اللّه قد غفر لك بطواعيتك لزوجك «‏.‏

وقال ابن قدامة‏:‏ طاعة الزّوج واجبة‏.‏

قال أحمد في امرأة لها زوج وأمّ مريضة‏:‏ طاعة زوجها أوجب عليها من أمّها، إلاّ أن يأذن لها‏.‏

حدود الطّاعة

11 - طاعة اللّه تعالى وطاعة الرّسول صلى الله عليه وسلم ليس لها حدود، فيجب على المسلم طاعتهما مطلقاً في كلّ ما أمرا به ونهيا عنه فقد أمر اللّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله من غير تقييد بقيد فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ‏}‏ وقد بايع النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه على ذلك، فعن عبادة بن الصّامت رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ » بايعنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على السّمع والطّاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره «‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم «‏.‏

أمّا طاعة المخلوقين - ممّن تجب طاعتهم - كالوالدين والزّوج وولاة الأمر، فإنّ وجوب طاعتهم مقيّد بأن لا يكون في معصية، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏.‏

قال تعالى في الوالدين‏:‏ ‏{‏وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا‏}‏‏.‏ وفي طاعة الزّوج روت صفيّة عن عائشة رضي الله تعالى عنهما قالت‏:‏ » إنّ امرأةً من الأنصار زوّجت ابنتها، فتمعّط شعر رأسها، فجاءت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقالت‏:‏ إنّ زوجها أمرني أن أصل في شعرها فقال‏:‏ لا، إنّه قد لعن الموصلات « قال ابن حجر‏:‏ لو دعاها الزّوج إلى معصية فعليها أن تمتنع، فإن أدّبها على ذلك كان الإثم عليه‏.‏

وفي طاعة ولاة الأمر روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة «‏.‏

الخروج على الطّاعة

12 - سبق أنّ حكم الطّاعة هو الوجوب بمختلف أحوالها، ومن ثمّ يترتّب على الخروج على الطّاعة الإثم والمعصية والعقاب قال تعالى محذّراً عن مخالفة أمره‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ احتجّ الفقهاء بهذه الآية على أنّ الأمر على الوجوب، ووجهها‏:‏ أنّ اللّه تبارك وتعالى قد حذّر من مخالفة أمره وتوعّد بالعقاب عليها بقوله‏:‏ ‏{‏أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}‏ فتحرم مخالفته، ويجب امتثال أمره‏.‏

وفي مخالفة أمر الرّسول صلى الله عليه وسلم الإثم والعقاب، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى، قالوا‏:‏ يا رسول اللّه ومن يأبى‏؟‏ قال‏:‏ من أطاعني دخل الجنّة ومن عصاني فقد أبى «‏.‏ وعقوق الوالدين من الكبائر لحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى يا رسول اللّه‏.‏ قال‏:‏ ثلاث‏:‏ الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، وكان متّكئاً فجلس فقال‏:‏ ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور‏:‏ ألا وقول الزّور وشهادة الزّور، فما زال يقولها حتّى قلت‏:‏ لا يسكت «‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ » ثلاثة لا يدخلون الجنّة‏:‏ العاقّ لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنّان بما أعطى «‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏برّ الوالدين ف 15‏)‏‏.‏

وفي مخالفة أمر الزّوج والخروج على طاعته الإثم العظيم، لما روى جابر رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ » ثلاثة لا يقبل اللّه لهم صلاةً، ولا ترفع لهم إلى السّماء حسنة‏:‏ العبد الآبق حتّى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة السّاخط عليها زوجها حتّى يرضى، والسّكران حتّى يصحو «‏.‏

وفي مخالفة الأمير والخروج على طاعته حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما السّابق، في طاعة أولي الأمر‏.‏

وتفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏بغاة ف 4‏)‏‏.‏

طاعون

التّعريف

1 - قال ابن منظور‏:‏ الطّاعون لغةً‏:‏ المرض العامّ والوباء الّذي يفسد له الهواء فتفسد له الأمزجة والأبدان‏.‏

وفي المعجم الوسيط‏:‏ الطّاعون داء ورميّ وبائيّ سببه مكروب يصيب الفئران، وتنقله البراغيث إلى فئران أخرى وإلى الإنسان‏.‏

وفي الاصطلاح قال النّوويّ‏:‏ الطّاعون قروح تخرج في الجسد فتكون في الآباط أو المرافق أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن، ويكون معه ورم وألم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب ويسودّ ما حواليه أو يخضرّ أو يحمرّ حمرةً بنفسجيّةً كدرةً ويحصل معه خفقان القلب والقيء، وفي أثر عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت للنّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الطّعن قد عرفناه فما الطّاعون‏؟‏ قال‏:‏ غدّة كغدّة البعير يخرج في المراق والإبط «‏.‏

قال ابن قيّم الجوزيّة – بعد أن بيّن الصّلة بين الوباء والطّاعون – هذه القروح والأورام والجراحات، هي آثار الطّاعون، وليست نفسه ولكن الأطبّاء لمّا لم تدرك منه إلاّ الأثر الظّاهر جعلوه نفس الطّاعون‏.‏

والطّاعون يعبّر به عن ثلاثة أمور‏:‏

أحدها‏:‏ هذا الأثر الظّاهر، وهو الّذي ذكره الأطبّاء‏.‏

والثّاني‏:‏ الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصّحيح في قوله‏:‏ » الطّاعون شهادة لكلّ مسلم «‏.‏

والثّالث‏:‏ السّبب الفاعل لهذا الدّاء، وقد ورد في الحديث الصّحيح‏:‏ » أنّه بقيّة رجز أرسل على بني إسرائيل «‏.‏

وورد فيه‏:‏ » أنّه وخز أعدائكم من الجنّ «‏.‏

وجاء‏:‏ » أنّه دعوة نبيّ «‏.‏

القنوت لصرف الطّاعون

2 - يرى الحنفيّة والشّافعيّة على المعتمد استحباب القنوت في الصّلاة لصرف الطّاعون باعتباره من أشدّ النّوازل‏.‏

وذهب الحنابلة وبعض الشّافعيّة إلى عدم مشروعيّة القنوت لرفع الطّاعون، لوقوعه في زمن عمر رضي الله عنه ولم يقنتوا له‏.‏

وقال المالكيّة باستحباب الصّلاة لدفع الطّاعون، لأنّه عقوبة من أجل الزّنا، وإن كان شهادةً لغيرهم‏.‏

وفي الصّلوات الّتي يقنت فيها للنّوازل وفي الإسرار أو الجهر به، تفصيل ينظر في‏:‏ ‏(‏قنوت‏)‏‏.‏

القدوم على بلد الطّاعون والخروج منه

3 - يرى جمهور العلماء منع القدوم على بلد الطّاعون ومنع الخروج منه فراراً من ذلك، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ » الطّاعون آية الرّجز ابتلى اللّه عزّ وجلّ به أناساً من عباده، فإذا سمعتم به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه «‏.‏ وأخرج مسلم من حديث عامر بن سعد أنّ رجلاً سأل سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه عن الطّاعون، فقال أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنا أخبرك عنه، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ » هو عذاب أو رجز أرسله اللّه على طائفة من بني إسرائيل أو ناس كانوا قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها عليه، وإذا دخلها عليكم فلا تخرجوا منها فراراً « وأخرج أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً‏:‏ » قلت‏:‏ يا رسول اللّه فما الطّاعون‏؟‏ قال‏:‏ غدّة كغدّة الإبل، المقيم فيها كالشّهيد، والفارّ منها كالفارّ من الزّحف «‏.‏

4 – قال ابن القيّم‏:‏ وفي المنع من الدّخول إلى الأرض الّتي قد وقع بها الطّاعون عدّة حكم‏:‏ إحداها‏:‏ تجنّب الأسباب المؤذية، والبعد منها‏.‏

الثّانية‏:‏ الأخذ بالعافية الّتي هي مادّة المعاش والمعاد‏.‏

الثّالثة‏:‏ أن لا يستنشقوا الهواء الّذي قد عفن وفسد فيصيبهم المرض‏.‏

الرّابعة‏:‏ أن لا يجاوروا المرضى الّذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم‏.‏

الخامسة‏:‏ حميّة النّفوس عن الطّيرة والعدوى، فإنّها تتأثّر بهما، فإنّ الطّيرة على من تطيّر بها، وبالجملة ففي النّهي عن الدّخول في أرضه الأمر بالحذر والحميّة، والنّهي عن التّعرّض لأسباب التّلف، وفي النّهي عن الفرار منه الأمر بالتّوكّل والتّسليم والتّفويض، فالأوّل‏:‏ تأديب وتعليم، والثّاني تفويض وتسليم‏.‏

وفي الصّحيح‏:‏ أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خرج إلى الشّام، حتّى إذا كان بسرغ لقيه أبو عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه وأصحابه، فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشّام فقال لابن عبّاس رضي الله عنهما‏:‏ ادع لي المهاجرين الأوّلين، قال‏:‏ فدعوتهم، فاستشارهم وأخبرهم أنّ الوباء قد وقع بالشّام، فاختلفوا، فقال له بعضهم‏:‏ خرجت لأمر، فلا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون‏:‏ معك بقيّة النّاس وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلا نرى أن تقدّمهم على هذا الوباء، فقال عمر‏:‏ ارتفعوا عنّي، ثمّ قال‏:‏ ادع لي الأنصار، فدعوتهم له فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال‏:‏ ارتفعوا عنّي، ثمّ قال‏:‏ ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم له، فلم يختلف عليه منهم رجلان، قالوا‏:‏ نرى أن ترجع بالنّاس ولا تقدّمهم على هذا الوباء، فأذّن عمر في النّاس‏:‏ إنّي مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجرّاح‏:‏ يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر اللّه‏؟‏ قال‏:‏ لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفرّ من قدر اللّه تعالى إلى قدر اللّه تعالى، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان، إحداها خصبة، والأخرى جدبة ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر اللّه تعالى، وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر اللّه تعالى‏؟‏ قال‏:‏ فجاء عبد الرّحمن بن عوف وكان متغيّباً في بعض حاجاته، فقال‏:‏ إنّ عندي في هذا علماً، سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ » إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه «‏.‏

5- وقد ذكر العلماء في النّهي عن الخروج من البلد الّتي وقع بها الطّاعون حكماً‏:‏

منها‏:‏ أنّ الطّاعون في الغالب يكون عامّاً في البلد الّذي يقع به فإذا وقع فالظّاهر مداخلة سببه لمن بها، فلا يفيده الفرار، لأنّ المفسدة إذا تعيّنت - حتّى لا يقع الانفكاك عنها - كان الفرار عبثاً فلا يليق بالعاقل‏.‏

ومنها‏:‏ أنّ النّاس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه - بالمرض المذكور أو بغيره - ضائع المصلحة لفقد من يتعهّده حيّاً وميّتاً‏.‏

وأيضاً فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضّعفاء، وقد قالوا‏:‏ إنّ حكمة الوعيد في الفرار من الزّحف ما فيه من كسر قلب من لم يفرّ وإدخال الرّعب عليه بخذلانه‏.‏

ومنها‏:‏ حمل النّفوس على الثّقة باللّه، والتّوكّل عليه، والصّبر على أقضيته والرّضا بها‏.‏ ونقل النّوويّ عن القاضي قوله‏:‏ ومنهم من جوّز القدوم عليه - أي على بلد الطّاعون - والخروج منه فراراً، قال القاضي‏:‏ وروي هذا عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وأنّه ندم على رجوعه من سرغ، وعن أبي موسى الأشعريّ ومسروق والأسود بن هلال أنّهم فرّوا من الطّاعون، وقال عمرو بن العاص‏:‏ فرّوا عن هذا الرّجز في الشّعاب والأودية ورءوس الجبال فقال معاذ‏:‏ بل هو شهادة ورحمة، ويتأوّل هؤلاء النّهي على أنّه لم ينه عن الدّخول عليه والخروج منه، مخافة أن يصيبه غير المقدّر، لكن مخافة الفتنة على النّاس، لئلاّ يظنّوا أنّ هلاك القادم إنّما حصل بقدومه، وسلامة الفارّ إنّما كانت بفراره، وقالوا‏:‏ وهو من نحو النّهي عن الطّيرة والقرب من المجذوم، وقد جاء عن ابن مسعود قال‏:‏ الطّاعون فتنة على المقيم والفارّ، أمّا الفارّ فيقول‏:‏ فررت فنجوت، وأمّا المقيم فيقول‏:‏ أقمت فمتّ، وإنّما فرّ من لم يأت أجله، وأقام من حضر أجله‏.‏

قال النّوويّ‏:‏ والصّحيح ما قدّمناه من النّهي عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر الأحاديث الصّحيحة‏.‏

قال العلماء‏:‏ وهو قريب المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ » لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا اللّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا «‏.‏

هذا واتّفق العلماء على جواز الخروج بشغل وغرض غير الفرار، ودليله صريح الأحاديث‏.‏

أجر الصّبر على الطّاعون

6 - جاء في بعض الأحاديث استواء شهيد الطّاعون وشهيد المعركة فقد أخرج أحمد بسند حسن عن عتبة بن عبد السّلميّ رفعه‏:‏ » يأتي الشّهداء والمتوفّون بالطّاعون، فيقول أصحاب الطّاعون‏:‏ نحن الشّهداء، فيقال‏:‏ انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشّهداء تسيل دماً وريحها كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك «‏.‏

وأخرج البخاريّ من حديث عائشة رضي الله عنها‏:‏ » أنّها سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الطّاعون، فأخبرها نبيّ اللّه أنّه كان عذاباً يبعثه اللّه على من يشاء فجعله اللّه رحمةً للمؤمنين فليس من عبد يقع الطّاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنّه لن يصيبه إلاّ ما كتبه اللّه له إلاّ كان له مثل أجر الشّهيد «‏.‏

ويفهم من سياق هذا الحديث أنّ حصول أجر الشّهادة لمن يموت بالطّاعون مقيّد بما يلي‏:‏

أ - أن يمكث صابراً غير منزعج بالمكان الّذي يقع به الطّاعون فلا يخرج فراراً منه‏.‏

ب - أن يعلم أنّه لن يصيبه إلاّ ما كتب اللّه له‏.‏

فلو مكث وهو قلق أو نادم على عدم الخروج ظانّاً أنّه لو خرج لما وقع به أصلاً ورأساً، وأنّه بإقامته يقع به، فهذا لا يحصل له أجر الشّهيد ولو مات بالطّاعون، هذا الّذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث، كما اقتضى منطوقه أنّه من اتّصف بالصّفات المذكورة يحصل له أجر الشّهيد وإن لم يمت بالطّاعون‏.‏

والمراد بشهادة الميّت بالطّاعون أنّه يكون له في الآخرة ثواب الشّهيد، وأمّا في الدّنيا فيغسّل ويصلّى عليه‏.‏

قال القاضي البيضاويّ‏:‏ من مات بالطّاعون، أو بوجع البطن ملحق بمن قتل في سبيل اللّه لمشاركته إيّاه في بعض ما يناله من الكرامة بسبب ما كابده، لا في جملة الأحكام والفضائل‏.‏